الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

316

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مقام يوسف الصديق بعد أن عبر ساحة الاختبار الكبيرة بنجاح ، وأمثاله من المخلصين كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين أي نحن أظهرنا البراهين ليوسف لنبعد عنه الفحشاء والسوء ، لأنه من عبادنا المخلصين ( سورة يوسف - 24 ) . فمقام المخلصين لا يناله إلا من انتصر في الجهاد الأكبر ، وشمله اللطف الإلهي بإزالة كل شئ غير خالص من وجوده ، ولا تبقى فيه سوى النفس الطاهرة الخالصة - كالذهب الخالص - عند إذابتها في أفران الحوادث والاختبار . وهنا فإن مكافأتهم لا تتم وفق معيار أعمالهم ، وإنما معيار مكافأتهم هو الفضل والرحمة الإلهية . والعلامة الطباطبائي رحمة الله عليه يقول بهذا الشأن : " يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ، إن كافة الناس يأخذون مكافأة أعمالهم إلا العباد المخلصين له ، لأنهم يدركون بأنهم عبيد الله ، والعبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة ولا عمل ، فهؤلاء لا يريدون إلا ما أراده الله ولا يعملون إلا له . ولكونهم من المخلصين ، فقد أخلصهم لنفسه ، ولا تعلق لهم بشئ غير ذات الله تعالى . فقلوبهم خالية من حب الدنيا وزخارفها ، وليس فيها إلا الله سبحانه . ومن المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه وتنعمه بغير ما يلتذ ويتنعم به غيره ، وارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه ، وإن شاركهم في ضروريات المأكل والمشرب ، ومن هنا يتأيد أن المراد بقوله : أولئك لهم رزق معلوم الإشارة إلى أن رزقهم في الجنة رزق خاص لا يشبه غيره ، ( وأنهم يرزقون من مظاهر ذات الله الطاهرة ، وقلوبهم متعطشة اشتياقا لله ، وغارقة في العشق والوصول إلى الله ) ( 1 ) . * * *

--> 1 - الميزان ، المجلد 17 ، الصفحة 141 .